العيني
80
عمدة القاري
فإن هم العبد بالحسنة فعملها قوله : ( عشر حسنات ) قال عز وجل : * ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) * ( الأنعام : 061 ) قوله : ( إلى سبعمائة ضعف ) أي : مثل ، والضعف يطلق على المثل وعلى المثلين ، قال الله تعالى : * ( مثل الذين ينفقون أموالهم ) * ( البقرة : 162 و 562 ) الآية قوله : ( إلى أضعاف كثيرة ) قال الله تعالى : * ( والله يضاعف لمن يشاء ) * ( البقرة : 162 ) . قيل : لما كان الهم بالحسنة معتبراً باعتبار أنه فعل القلب لزم أن يكون بالسيئة أيضاً كذلك . وأجيب : بأن هذا من فضل الله على عباده حيث عفا عنهم ، ولولا هذا الفضل العظيم لم يدخل أحد الجنة لأن السيئات من العباد أكثر من الحسنات ، فلطف الله عز وجل بعباده بأن ضاعف لهم الحسنات دون السيئات . قيل : إذا هم العبد بالسيئة ولم يعمل بها فغايته أن لا تكتب له سيئة فمن أين أن تكتب له حسنة ؟ وأجيب : بأن الكف عن الشر حسنة . قيل : اتفق العلماء على أن الشخص إذا عزم على ترك صلاة بعد عشرين سنة عصى في الحال ؟ وأجيب : بأن العزم وهو توطين النفس على فعله غير الهم الذي هو تحديث النفس من غير استقرار ، وقال ابن الجوزي : إذا حدث العبد نفسه بالمعصية لم يؤاخذ ، فإذا عزم فقد خرج عن تحديث النفس فيصير من أعمال القلب ، فإن عقد النية على الفعل فحينئذٍ يأثم ، وبيان الفرق بين الهم والعزم أنه لو حدث نفسه في الصلاة وهو فيها بقطعها لم تنقطع ، فإذا عزم حكمنا بقطعها . ثم إعلم أن حديث ابن عباس هذا معناه الخصوص لمن همَّ بسيئة فتركها لوجه الله تعالى ، وأما من تركها مكرهاً على تركها بأن يحال بينه وبينها فلا تكتب له حسنة ، فلا يدخل في نص الحديث . وقال الطبري : وفي هذا الحديث تصحيح مقالة من يقول : إن الحفظة تكتب ما يهم به العبد من حسنة أو سيئة ، وتعلم اعتقاده كذلك ، ورد مقالة من زعم أن الحفظة لا تكتب إلاَّ ما ظهر من عمل العبد وتسمع . فإن قيل : الملك لا يعلم الغيب فكيف يعلم بهم العبد ؟ قيل له : قد جاء في الحديث أنه إذا هم بحسنة فاحت منه رائحة طيبة ، وإذا هم بسيئة فاحت منه رائحة كريهة . قلت : هذا الحديث أخرجه الطبري عن أبي معشر المدني ، وسيأتي حديث أبي هريرة في التوحيد بلفظ : ( إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها ) . وفيه : دليل على أن الملك يطلع على ما في الآدمي إما باطلاع الله إياه ، وإما بأن يخلق الله له علماً يدرك به ذلك . 23 ( ( بابُ ما يُتَّقى مِنْ مُحَقَّراتِ الذُّنُوبِ ) ) أي : هذا باب في بيان ما يتقى أي : ما يجتنب من محقرات الذنوب ، وجاء هذا اللفظ في حديث أخرجه النسائي وابن ماجة عن عائشة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : ( يا عائشة ! إياك ومحقرات الذنوب فإن لها من الله طالباً ) . وصححه ابن حبان ، والمحقرات جمع محقرة وهي الذنوب التي يحتقرها فاعلها . 2946 حدّثنا أبُو الوَلِيد حدّثنا مَهْدِيُّ عنْ غَيْلانَ عنْ أنَسٍ رضي الله عنه قال : إنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أعْمالاً هِيَ أدَقُّ في أعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ إنْ كُنَّا نَعدُّ عَلى عَهْدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم المُوبِقاتِ . قال أبُو عَبْدِ الله : يَعْنِي بِذالِكَ المُهْلِكاتِ . مطابقته للترجمة تؤخذ من معنى الحديث . وأبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي ، ومهدي هو ابن ميمون الأزدي ، وغيلان بفتح المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن جرير ، وقال بعضهم : هو غيلان بن جامع ، وهو غلط صريح لأن غيلان بن جرير من أهل البصرة ، وغيلان بن جامع كوفي قاضي الكوفة . ورجال السند كلهم بصريون . والحديث من أفراده . قوله : ( لتعملون ) اللام فيه للتأكيد . قوله : ( هي أدق ) أفعل التفضيل من الدقة بكسر الدال ، وأراد به أنهم كانوا يحقرونها ويهونونها . قوله : ( إن كنا تعدها ) إن مخففة من الثقيلة ، وجاز استعمالها بدون اللام الفارقة بينها وبين النافية عند الأمن من الالتباس ، وتعدها ، بدون اللام في رواية أبي ذر عن السرخسي والمستملي ، وعند الأكثرين : لنعدها ، بلام التأكيد وأيضاً بالضمير وعندهما بحذف الضمير أيضاً ، ولفظهما : إن كنا نعد . قوله : ( على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : في زمنه وأيامه . قوله : ( الموبقات )